ابن المقفع

70

آثار ابن المقفع

وأكون أنا آخرهم ولا يكون بقي ورائي شيء يشغل فكري بنقله ، وأكون قد استظهرت « 1 » لنفسي في إراحة بدني عن الكد ، بيسير أجرة اعطيها لهم . ثم جاء بالحمالين فجعل يحمل كل واحد منهم ما يطيق فينطلق به إلى منزله هو فيفوز به ، حتى إذا لم يبق من الكنز شيء انطلق خلفهم إلى منزله فلم يجد فيه من المال شيئا لا كثيرا ولا قليلا . وإذا كل واحد من الحمالين قد فاز بما حمله لنفسه ولم يكن للرجل من ذلك إلا العناء والتعب لأنه لم يفكر في آخر أمره . الجوز الصحيح والصحيفة الصفراء وكذلك من قرأ هذا الكتاب ولم يفهم ما فيه ولم يعلم غرضه ظاهرا وباطنا لم ينتفع بما يبدو حوله من خطه ونقشه كما لو أن رجلا قدم له جوز صحيح لم ينتفع به إلا أن يكسره ويستخرج ما فيه . وكان أيضا كالرجل الذي طلب علم الفصيح من كلام الناس فأتى صديقا له من العلماء له علم بالفصاحة فاعلمه حاجته إلى علم الفصيح . فرسم له صديقه في صحيفة صفراء فصيح الكلام وتصاريفه ووجوهه . فانصرف بها إلى منزله فجعل يكثر قراءتها ولا يقف على معانيها ولا يعلم تأويل ما فيها حتى استظهرها كلها فاعتقد أنه قد أحاط بعلم ما فيها . ثم إنه جلس ذات يوم في محفل من أهل العلم والأدب فأخذ في محاورتهم فجرت له كلمة أخطأ فيها ، فقال له بعض الجماعة : إنك قد أخطأت ، والوجه غير ما تكلمت به . فقال : كيف أخطىء وقد قرأت الصحيفة الصفراء وهي في منزلي ؟ فكانت مقالته هذه أوجب للحجة عليه وزاده ذلك قربا من الجهل وبعدا من الأدب .

--> ( 1 ) استظهرت : استعنت .